أحمد الخراز البغدادي
72
كتاب الصدق أو الطريق السالمة
والإخلاص فيها ، وكل خلق حسن جميل : إنما هي منازل نزلها العمال للّه ، عزّ وجلّ ، ثم ارتحلوا منها إلى غيرها ، حتى وصلوا إلى المنى : من قرب سيدهم ؟ ! ! . فما أنت ، وذكر المنزل الذي نزلته ، حتى أوصلك إلى بغيتك ، إن كنت واصلا ظافرا ببعض حظك من مطلوبك ؟ ! فأنت كأنك مشاهده . فعليه الآن ، فازدد إقبالا ، وإليه فأدم النظر وأصغ إليه بالآذان الواعية ، فإنه أقرب إليك منك إلى نفسك ، فما أنت الآن وذكر الصدق ؟ ! وإنما هو منزل من منازل الطالبين . وبعد ، فإن كان قد فتح لك الباب الذي كان بينك وبينه مغلقا ، وكشف عن قلبك ستر الذي كان عليه مرخى ، فأوجدك قربه ، ولا طفك ببعض التأنس ، فعساك أن تكون : قد صرت إلى بعض سؤلك ، فقرّ قرارك . وإن كنت وغيرك من الطالبين : إنما فقدت وجود مطالبة الصدق ، وما أشبهه : من الأمور من وجودك لقرب اللّه ، عزّ وجلّ ، والتشاغل به ، فتلك بغية العارفين باللّه ، عزّ وجلّ . وكذلك فافهمها من نفسك ومن غيرك ، ولا تنخدعن لنفسك من حظك من ربك . واعلم : أن الواصلين إلى اللّه ، عزّ وجلّ ، وأهل القرب منه ، الذين قد ذاقوا طعم محبة اللّه تعالى ، بالحقيقة ، وظفروا بحظهم من مليكهم : فمن صفاتهم : أن الورع ، والزهد ، والصبر ؛ والإخلاص ، والصدق ؛ والتوكل ، والثقة ، والمحبة ، والشوق ، والأنس ، والأخلاق الجميلة ، وما لم يكن يمكن أن يوصف من أخلاقهم ، وما استوطنوه : من البرّ ، والكرم ، فذلك كله : معهم ، وساكن في طبعهم ، ومخفي في سرائرهم ، لا يحسنون غيره ، لأنه غذاؤهم وعادتهم ، لأنهم فرضوا ذلك على أنفسهم فرضا ، وعملوا فيه حتى ألفوه ، فلم يكن عليهم بعد الوصول كلفة « 1 » في إتيانه والعمل به ، إذا حل وقت كل حال ، لأن ذلك غذاؤهم ، كما ليس لهم في أداء الفرائض ثقل ولا علاج . وذلك لما غلب على قلوبهم : من الإيثار للّه ، عزّ وجلّ ، والقرب منه ، فهم عاملون به بلا مؤونة ، بل بلا تشاغل بالأعمال الظاهرة ، لأن الخدمة والأعمال الظاهرة : إنما تقع على ظاهر الجوارح . فافهم هذا الموضوع ، والقلوب بعد ذلك ذاهلة ، بل هي باللّه مشغولة للذي استولى عليها : من قرب اللّه ، عزّ وجلّ ، والمحبة للّه ، والشوق إليه ، والرهبة منه ، والتعظيم له ؛ والإجلال . فافهم أيها المريد : ما ألقيت إليك وتدبره ، تجده بيّنا معروفا ، إن شاء اللّه تعالى .
--> ( 1 ) الكلفة : ما تتكلفه على مشقة .